الجمعة، 9 ديسمبر، 2016

ازمة سعر الصرف في مصر 2016... رؤية في المسببات والحلول المقترحة (3)




الجزء الثاني: التعويــــم واثــــــــــاره (2)

   بقلم .... اقتصادي حر

   بدائنا اول حلقات هذه السلسلة من المقالات باستعراض ما هي مسببات الازمة الراهنة لسعر الصرف في مصر وكيف ان العجز المالي الخارجي والداخلي بالإضافة الى غياب السياسة النقدية أسهم في تفاقم الازمة. في المقالة الثانية تناولنا ماهي القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة المصرية مع البنك المركزي وأهمها قرار تحرير سعر صرف الجنيه المصري امام العملات الأجنبية، ثم تحليل فلسفه هذه القرارات ومدى توافقها مع الواقع الراهن للاقتصاد. واليوم في هذا الجزء سنبدأ في توضيح ما هي الاثار الاقتصادية لقرار التعويم وتحديدا في الاجل القصير، حيث انه من المبكر التوقع بما سيحدث في الاجل الطويل في اقتصاد غير مستقر يمر بتقلبات حاده مما تؤثر على دقه التنبؤ المستقبلي.
   كما فهمنا في المقال السابق ان لقرار التعويم اثار ايجابيه هامة أهمها على الاطلاق وقف نزيف الاحتياطي النقدي والى حد ما تقليل المضاربات على العملة المحلية والذي هو داء قاتل إذا أصاب أي عمله. كما اننا لا نستطيع ان ننكر ان تخفيض قيمه العملة قد يؤدى الى زيادة الصادرات ويساعد على تنشيط تدفقات الاستثمارات الأجنبية والسياحة الخارجية الوافدة إلى مصر، لأن تخفيض العملة المحلية يؤدي إلى زيادة القدرات الشرائية للعملات الأجنبية التي بحوزة السياح والمستثمرين الأجانب. الا ان كل هذه الاثار مرهونة على كفاءه الادارة الاقتصادية من ناحية والاستقرار السياسي والأمني وصوره مصر الخارجية من ناحية أخرى، كما ان هذه النتائج إذا تحققت سوف تظهر في الاجل المتوسط او الطويل. اما عن الاجل القصير فالأثار الاقتصادية أضحت واضحة امام الجميع فبعضها بدا بالفعل والبعض الاخر في طريقه للظهور وفيما يلي اهم هذه الاثار: 

أولا: ارتفـــــــــــــــاع الأسعار (التضخم)
يعد الأثر المؤكد والأول لتخفيض سعر صرف الجنيه المصري هو ارتفاع أسعار السلع المستوردة مقدرة بالجنيه المصري أي موجة ارتفاع عامة في أسعار كل السلع وهو ما حدث فعليا، هذه الموجه بدأت بالفعل منذ ان تركت السلطة النقدية لاتساع فجوة الطلب على الدولار بفعل المضاربة. فمنذ 3 شهور او أكثر قليلا لا حديث للمواطن الا عن اختفاء السلع او ارتفاع اثمانها في الأسواق ابتداءً من سلعة السكر والفول وصولا الى المضادات الحيوية الطبية. تأخر الحكومة في اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح أدى كما سلف الشرح الى حالة انفلات عام بلا رقيب او حسيب، فعلم الجميع بالظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد وتحديدا نقص المتاح من العملة الأجنبية وانخفاض الاحتياطي؛ اعلم الجميع بدون اذن الحكومة ان التعويم قادم قادم وان تخفيض العملة أصبح امر واقع وان القرار الرسمي سيتخذ عاجلا ام اجلا. ومع طول هذا الوقت ازدادت المرهنات ومعها عمليات شراء وتخزين واسعه النطاق لكل السلع.
وفقا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فان معدلات التضخم في مصر قد قفزت إلى 16.4% خلال أغسطس الماضي، مقابل 14.8% في الشهر السابق عليه، ومؤخرا قفز معدل التضخم السنوي الإجمالي في مصر خلال نوفمبر 2016 إلى 20.2% مقابل 14% في أكتوبر من نفس العام. مما يعد أعلى معدل ارتفاع منذ عام 2008.كما انه وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي و تقديرات  EIU في تقرير " World economic outlook " ارتفاع معدل أسعار المستهلك CPI في مصر إلى 22.2% خلال العام المالي الجاري، مقابل توقعات سابقة بلغت 9.5% في ذات التقرير الصادر في أبريل الماضي. ومن المرجح أن يرتفع المعدل ليتراوح بين 20% الى 25% بعد تعويم الجنيه وانخفاضه في السوق الرسمية. ووفقا لأخر تقرير للبنك المركزي "أكتوبر 2016" فان كل انخفاض في قيمة الجنيه بنسبة 10% إلى زيادة التضخم بنسبة تتراوح بين 1.5% إلى 2% بسبب اعتماد مصر على الاستيراد.
ان السبب الرئيسي لهذه الزيادة في الأسعار هو ان قبل القرار كان لدينا في مصر نظامين لاستيراد ، نظام لاستيراد السلع الأساسية والغذائية تموله البنوك بالسعر الرسمي، ونظام لا تموله البنوك للسلع الأخرى والذى يتعامل بسعر السوق الموازية، ومن هنا فإن سلع مثل الزيت والسكر والذرة واللحوم والدواجن والدواء والكيماويات الخاصة بالدواء والمنتجات البترولية والمواد الخام وقطع الغيار وآلات ومعدات الإنتاج، التي كانت حتى الثاني من نوفمبر تحصل على الدولار بسعر 8.88 جنيه، ستحصل عليه من البنك بسعر يتراوح بين 16 الى 18 جنيه، أي بنسبة زيادة تصل الى 110 % خلال يوم واحد، و هذا ما انعكس على الأسواق مباشرا بالإضافة الى الممارسات الاحتكارية في مختلف السلع و غياب تام للرقابة و تنظيم الأسواق من قبل مؤسسات الدولة ، اوصلنا الى الوضع الراهن .

ثانيا: انخفاض الدخول الحقيقية وزيادة معدلات الفقر
الأثر الثاني والمترتب على الأثر الأول هو ان ارتفاع معدل التضخم بهذه الدرجة سوف يؤثر بصورة موجعة على الفقراء والطبقة الوسطى وتحديدا لكل أصحاب حقوق العمل أي من يعملون بأجر ثابت مهما كبر هذا الاجر، حيث ترتفع أجورهم بمعدلات تقل عن معدلات ارتفاع الأسعار فتتآكل القدرة الشرائية لرواتبهم وتتراجع مستويات معيشتهم. يضاف الى ذلك فان أي موجة تضخمية تعيد توزيع الدخل والثروة لصالح أصحاب حقوق الملكية الذين ترتفع أسعار ملكياتهم، على حساب أصحاب حقوق العمل ممن يتلقون الأجور والرواتب التي لا تزيد إلا بمعدلات تقل عن معدلات التضخم. وهذا يعني إجمالا أن تخفيض سعر صرف الجنيه المصري في الوضع الراهن للاقتصاد المصري سيؤدي لزيادة الأسعار وتآكل الأجور الحقيقية.
هذه الحقيقة تؤدى بشكل رئيسي الى ارتفاع معدلات الفقر والتي بلغت معدلات قياسية، فوفقا الى اخر تقرير للجهاز المركزي للإحصاء فإن نسبة الفقراء زادت من 16.7% عام 2000 إلى 21.6% عام 2009، ثم 25.2% في 2011، ثم 27.8% في 2015 أي أكثر من 25 مليون مواطن، كما ارتفع نسبة الفقر المدقع لعام 2015 لتصل إلى 5.3% من السكان. وذكر التقرير أن قيمة متوسط خط الفقر للفرد في الشهر لا تتجاوز 322 جنيهاً عام 2015، بينما وصلت قيمة متوسط خط الفقر الكلى للسكان 482 جنيهاً شهرياً. وهذا المبلغ بعد القرارات الأخيرة فقد حوالي نصف قيمته الشرائية بعد التطورات الاخيرة، وان 60% من هؤلاء في ريف صعيد مصر ولا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من السلع الغذائية وغير الغذائية، وان 81.8% من الفقراء لا يستفيدون من التأمينات الاجتماعية وهنا نصل الى فكره الدعم ومستحقيه.
وتأتى هذا الإحصاءات عن الفقر تتسق تماما مع تقرير الثروات العالمي الذي يشير إلى أن أغنى 10% من السكان الراشدين في مصر كانوا يملكون نحو 61% من الثروة في مصر عام 2000، وارتفعت حصتهم إلى 65,3% عام 2007، ثم إلى 73,3% من إجمالي الثروات في مصر عام 2014. وهذا النمط من الاستحواذ على الثروات يضع مصر بين الدول الأكثر سوءا في توزيع الثروات مقتربة من النموذج الأمريكي الذي يستحوذ فيه أغنى 10% من الراشدين على قرابة 75% من الثروة الأمريكية، والنموذج التركي الذي يستحوذ فيه أغنى 10% من الراشدين على 77,7% من الثروة التركية مع الاخذ في الاعتبار حجم الدخل القومي في هذه البلد وحجم الدخل في مصر. وبالتالي فإن الأثرياء من هذه الشريحة لا يفرق معهم ارتفاع أسعار السلع الترفيه أو الكمالية وسيستمرون في استهلاكها مهما كانت أسعارها بما يؤثر سلبيا على فعالية تخفيض الجنيه مقابل الدولار في تقليص الواردات، إلا إذا تم الترشيد بقرارات سيادية. يساعد في ذلك فرض ضريبة القيمة المضافة مؤخرا وهي عبارة عن توسيع لضريبة المبيعات، وهي ضريبة مباشرة يقع عبئها على الفئات الأقل فقرا، في الوقت نفسه خفضت الضريبة التي كانت موضوعة على أعلى شرائح الدخل من 25% لـ 22.5.


ثالثا: اثــــار رفع سعـــــر الفائــــدة
ان أثر رفع سعر الفائدة له اثار سلبيه عديده على الاقتصاد المصري هي على الأقل في الاجل القصير لكنى اعتقد انها ستستمر كذلك في الاجل المتوسط أيضا ومن هذه الاثار:
·        ارتفاع أعباء جديدة على خدمة الدين العام بما يصل إلى 70 مليار جنيه على الأقل، وذلك بسبب ان الحكومة هي أكبر مستدين من البنوك. وإذا اخذنا في اعتبارنا ان هذه الأعباء في الأساس تبلغ هذا العام نحو 293 مليار جنيه لتمثل 36% من الانفاق، فإننا امام مشكله أخرى أكثر تعقيدا خاصا في ظل اعلان من الحكومة متكرر على خفض العجز الداخلي.
·        صاحب قرار رفع الفائدة قيام بنك مصر والبنك الأهلي اصدار شهادات ادخارية بسعر فائدة يصل الى 20%، ترتب على ذلك هجوم كاسح من الأفراد والشركات على باقي البنوك وسحب مئات الملايين من الودائع لتحويلها إلى الشهادات الجديدة، حيث بلغت حصيلة هذه الشهادات في البنك الأهلي وحده وبعد مرور 3 أسابيع فقط على إصدارها حتى الآن نحو 92 مليار جنيه.
وهو بالطبع مؤشر واضح في دلالته على حجم المدخرات في الاقتصاد المصري، والتي تمثل مصدر التسرب من دورة الدخل، ويعد امر طبيعي أن يلجأ أصحاب الفوائض المالية إلى الاستفادة من معدلات الفائدة المرتفعة، التي تمثل لهم استثماراً آمناً عديم المخاطر. وإذا نظرنا أكثر عمقا فان هذه المليارات لم تأتى من السماء او "من تحت البلاطة" كما يتحدث الكثيرون. بل ان أغلب هذه الأرصدة تحويلات من حسابات أوعية أخرى من هذه البنوك ومن البنوك الأخرى. وذلك يرجع الى ان سعر الفائدة على الأوعية الادخارية العادية " دفتر التوفير" كان في المتوسط 6% ثم أصبح بعد القرار 9%، في المقابل العائد من الشهادات 20%، وهو ما فتح شهيه المودعون الى تحويل جزء كبير من ارصدتهم الى شهادات بل الى ان عدد كبير قام بكسر ودائع طويله الاجل ودفع غرامه لذلك في مقابل فتح الشهادات الجديدة لان العائد القادم منها يحقق مكسب حتى بعد دفع غرامة كسر الوديعة. وما يؤكد هذا قيام عدد كبير من حاملين شهادات قناة السويس الى رد الشهادات ذات 12% عائد قبل موعدها للحصول على الشهادات الجديدة، وهو ما دفع المسؤولين الى رفع العائد على شهادات قناة السويس الى 15.5% رغم مخالفته للأعراف المصرفية، حيث ان العائد من الشهادة يحدد مسبقا قبل الشراء ولا يتغير. ولكن بالطبع عمليات البيع الواسعة للشهادات دفع الى رفع العائد عليها. كما ان بيانات البنك المركزي في تقريره القادم سوف تؤكد ذلك من خلال معدلات السيولة وحجم المدخرات و المعروفة اقتصاديا M1 , M2 , M3 .
·        ارتباطا بالنقطة السابقة، فان سعر الفائدة بهذا التصرف لم ترتفع على الودائع 3% فقط بل ارتفعت في الواقع بمقدار 8%" في المتوسط، وهو ارتفاع تاريخي سيؤدي لحدوث حالة من التغيير الكامل لاستثمارات البنوك خلال الفترة القادمة هذا بخلاف أن ارتفاع أسعار الفوائد على الودائع بهذا الشكل سيرفع من نسبة المخاطر على استثمارات البنوك خصوصاً في مجال منح الائتمان. وخلال الفترة القادمة ومع استمرار قيام البنوك في قبول إصدار شهادات ادخار بفائدة 20%، و بدون اصدار قرارات تحفز البنوك على تقديم قروض تجزئة مصرفية، فمن المتوقع عزوف الشركات عن التقدم للحصول على قروض وتسهيلات ائتمانية من البنوك وبالتالي عدم إجراء أي توسعات للاستثمارات القائمة بمصر بل سيتجه بعض المستثمرين للإغلاق أو الحد وبشكل كبير من أنشطتهم والاعتماد على فوائد إيداعاتهم في البنوك لتسيير أعمالهم، وهو ما سيزيد من حالة الكساد بالسوق ويكون عاملاً شديد التأثير على أية استثمارات تفكر في الدخول للسوق المصرية. وهذا الوضع سيدفع البنوك دفعاً للاستثمار في أدوات الدين المحلي التي تعد أكثر أماناً.
هذا يرجعنا مره أخرى الى ما هي سياسات البنك المركزي في الفترة القادمة؟ كيف سيحقق المواءمة بين آثار الزيادة على الموازنة العامة وعجزها المتزايد، وخدمة الدين الحكومي، وبين التضخم والمحافظة على سعر الصرف كهدف رئيسي للبنك المركزي.

الخلاصة؛ إن الثلاثة اثار الأساسية المترتبة على القرارات الاقتصادية الأخيرة ستقود الاقتصاد المصري حتما الى اتجاه انكماشي مع دخوله الى دائرة مخيفة من الغلاء الفاحش تؤدى بالضرورة الى رفع معدلات الفقر وتآكل مدخرات المواطنين والإضرار بالعاملين وقيمة الدخل الحقيقي لهم، بالإضافة الى تقلص المحفظة الائتمانية للبنوك، وهو ما سيؤثر بقوة على قدرتها على تمويل المشروعات وتوفير القروض الاستثمارية والتجارية، وبالتبعية سيقود إلى تراجع مستوى الاقتصاد وتراجع مستويات المعيشة. وفي ظل هذا الركود التضخمي فإن الإجراءات التحفيزية اللازمة للخروج من الركود عادة ما تزيد من حدة التضخم، بينما الإجراءات الانكماشية اللازمة لكبح جماح التضخم عادة ما تزيد من عمق الركود.
وإذا كانت المسؤولية تقع على كاهل الحكومة والبنك المركزي في الاختيار بين محاربة الركود أو التضخم، وإذا كان البنك المركزي قد قرر انتهاج سياسة نقدية انكماشية متشددة للسيطرة على التضخم الناتج عن تحرير سعر الصرف ورفع أسعار الطاقة وما يستتبعه من ارتفاع أسعار السلع والخدمات المختلفة بشكل كبير. ورغم فشل هذه السياسة حتى الان في تحجيم التضخم الجامح، فهذه السياسة الانكماشية ستؤدى تراجع الاقتراض من البنوك وانخفاض استثمارات القطاع الخاص وهو ما سيؤدى إلى تراجع معدلات النمو وتعميق الركود وبالتالي انخفاض أرباح الشركات ودخل الأفراد وما يستتبعه من انخفاض الحصيلة الضريبية عن المتوقع. وإذا كانت الحكومة هي أيضا تعلن في كل محفل او اجتماع رسمي تبنى سياسة ماليه انكماشية وما هي الإجراءات التي تتخذها لتشديد حزم التقشف.
لذا فنحن امام حقيقة اقتصاديه شبه مؤكده هو ان الركود طويل الأجل سيكون نتيجة لا مفر منها. مع الاخذ في الاعتبار ان جزءا ليس بالقليل مما سيتم توفيره من رفع الدعم سيقابله ارتفاع في تكلفة خدمة الدين أي تحويل جزء من الإنفاق الحكومي من الفقراء الأكثر تأثرا بخفض الدعم للأغنياء الأكثر استفادة من ارتفاع سعر فائدة ودائع البنوك.
إذاً هل من مخرج من هذه الحلقة المفرغة؟ ام سنستمر من ركود الى كساد ومن تضخم مرتفع الى تضخم جامح؟ كيف يمكن التحكم في الاثار السلبية للقرارات الاقتصادية هذه؟ ما هو التصور الاقتصادي الصحيح للخروج من تلك الازمة؟ وهذا ما سوف نستعرضه في المقال التالي.


و للحديث بقيه،،،

الخميس، 24 نوفمبر، 2016

ازمة سعر الصرف في مصر 2016... رؤية في المسببات والحلول المقترحة (2)




الجزء الثاني: التعويــــم واثــــــــــاره (1)


   بقلم .... اقتصادي حـــــــر


قــــرار التعويـــــــــــم 

  نتيجة لكل ما تم استعراضه في المقال الأول عن أسباب ازمة سعر الصرف الحالية، قرر البنك المركزي التدخل بعد غياب تام عن المشهد ووصول سعر الدولار في السوق الموازية الى 18 جنيه. ففي صباح يوم الخميس 3 نوفمبر 2016 قرر المركزي امرين في غاية الأهمية؛ الأول: إطلاق الحریة للبنوك العاملة في مصر في تسعير النقد الأجنبي. ثانيا: رفع سعري عائد الإيداع والإقراض بواقع 300 نقطة أساس لتصل إلى 14.75% و15.75% على التوالي، ولحق بهذا القرار قررا اخر أصدرته وزارة البترول في مساء نفس اليوم قررت فيه رفع أسعار البنزين والسولار وغاز السيارات بنسبه 40%، سعر أسطوانة غاز الطهي للمنازل ارتفع بنسبة تقارب 100% وذلك بهدف لتخفيف العبء على الموازنة العامة بعد تغير سعر الصرف.
وفي ظهر اليوم الثاني الجمعة 4 نوفمبر 2016 عقدت المجموعة الاقتصادية بالحكومة مؤتمر صحفي أوضحت فيه بعض القرارات الأخرى المتعلقة بالدعم وبتوفير السلع التموينية والمواد البترولية التي ارتفعت أسعارها بالإضافة الى وضح حزمة من حوافر الاستثمار الجديدة تشجيعا للمستثمر الخارجي. وأسمت الحكومة هذه القرارات بالإضافة الى قرار البنك المركزي السابق بمسمى "برنامج الإصلاح الاقتصادي"، ودعت جموع الشعب الى تحمل فاتورة هذه الإصلاح الذي أصبح حتمي. في الحقيقة، رغم اننا بصدد عدد من القرارات الاقتصادية في اقل من 24 ساعة، الا انه في الواقع هو قرار واحد وهو تحرير سعر صرف الجنيه والقرارات الاخرى هي قرارات مكمله للقرار الأول تصاحبه لتقليل الأثر الاقتصادي والاجتماعي السلبي الذي قد ينتج عن تعويم الجنيه المصري.

ماذا يعنــــــــى هذا القرار: 

كما فهمنا من المقالة الأولى ماذا نعنى بسعر الصرف، فان ادارته تتوقف على سياسة البنك المركزي الصادر للعملة فتتخذ البنوك المركزية حول العالم 3 أنواع من سياسات الصرف، أولها سياسة سعر الصرف الثابت، وثانيها سياسة سعر الصرف المُعوم، وثالثها هي سياسة سعر الصرف المُدار وهى الأوسع انتشارًا.
   سياسة سعر الصرف الثابت تتم عن طريق ربط عملة الدولة بسعر عملة رئيسية أو سلة عملات وتحدد سعر ثابت لهذا وهو النظام الذي كان قائما حتى يوم 3 نوفمبر، حيث يثبت المركزي سعر صرف الجنيه امام الدولار ولا يسمح له بالتغير ومعيار نجاح هذه السياسة إذا نجحت الحكومة في تخفيض الطلب على الدولار والا سوف تستنزف رصيدها من الاحتياطي النقدي، أي ان الحكومة إذا فشلت في تقليل الطلب على العملة الأجنبية فإنها تواجهه بزيادة العرض منه للمحافظة على السعر المحدد مره أخرى. لهذا فان الاستمرار في هذه السياسة لفتره طويله في ظل عدم استقرار السوق وتنامى الطلب على العملة الأجنبية هو امر مدمر اقتصاديا حيث يؤدى الى نقص الاحتياطات الأجنبية وتفشل الدولة في توفير العملات الأجنبية لمواطنيها بسعر الصرف الرسمي، وتنشأ السوق الموازية "السوداء"، وهو ما حدث بالفعل في مصر خلال الأعوام الخمسة الأخيرة. أما سياسة التعويم فهي تحديد سعر صرف العملة وفقًا لآليات العرض والطلب بالسوق دون تدخل الدولة، حيث يتطابق سعر الصرف الرسمي مع السعر الموازي، ولكن تصبح دخول وأصول المواطنين عرضة لتقلبات العملة، وهذا هو النظام الذي أصبح قائما الان في مصر بعد القرارات الاخيرة. وشرط نجاح هذه السياسة يتوقف على مرونات الطلب على الصادرات والواردات، أي مدى استجابة الصادرات والواردات نتيجة تغير سعر الصرف وسوف نفصل لهذه النقطة لاحقا. وأخيرا: المُدار فيتم عن طريق احترام الدولة لآليات العرض والطلب، وتحريك قيمة عملتها ولكن في حدود، ليتحول الرسم البياني لسعر العملة إلى ما يشبه ثعبانًا داخل نفق، الدولة تحدد النفق "الحد الأقصى والأدنى لتحرك العملة"، ويُترك للعملة حرية التحرك داخله، وهو الأمر المتبع في دول عديده. ونجاح هذه السياسة يتوقف على مدى مقدره الدولة على بقاء سعر الصرف في حدوده مع المحافظة على رصيد الاحتياطي عند مستوى مستقر.
وبهذا فان البنك المركزي المصري، قد قرر تحرير سعر صرف الجنيه وإعطاء مرونة للبنوك العاملة في مصر لتسعير شراء وبيع النقد الأجنبي، أي تخلّي عن سياساته التى حافظت على مستوى ثابتًا لسعر الجنيه أمام سلّة العملات الأجنبية، وأمام الدولار بشكل خاص، بعيدًا عن قوى العرض والطلب وتتحرر من التزامه بضمان ثبات قيمة الجنيه عند مستوى 8.78 جنيهًا، الذى حافظ عليه طوال الشهور الماضية، ويترك الجنيه للحركة في السوق بشكل حر، مع دعمه بآليات وسياسات مختلفة، ليست إجراءات حماية مباشرة وربط للسعر كما كان في السابق، ولكنها إجراءات اقتصادية حقيقية وفاعلة، عبر العمل على معدلات التضخم ونسب النمو وتطوير السياسات المالية والمصرفية، وتوفير أرضية مصرفية لاستيعاب تداولات النقد المحلى والأجنبي بعيدًا عن السوق الموازية، وهو ما يوحّد أرقام الاقتصاد، ويوفر سوقًا واحدة، ويدعم جدارة الاقتصاد ومركزه فى التقييمات العالمية وأمام الاقتصاديات الأخرى.
يجب هنا الإشارة الى انه بعد قرار التعويم تتقلب سعر صرف العملة بشده ثم تستقر عند مستوى ثابت نسبيا، ففي 2003م، بعد قرار الحكومة تعويم سعر صرف الجنيه، ارتفع سعر صرف الدولار أمام الجنيه من 3.4 جنيه إلى أكثر من 7 جنيهات ثم استقر لعدة سنوات قريبًا من 5.5 جنيه. وتعكس قيمة العملة المُعومة على المدى المتوسط والطويل قوة الاقتصاد وجاذبيته وعلاقته التجارية مع العالم الخارجي، هذا بالإضافة إلى سلوك المضاربين في أسواق العملات، على المدى القصير.

التصور النظري للقرار: 

ينطلق النموذج النظري لتصور البنك المركزي والحكومة من أن تخفيض سعر صرف الجنيه يؤدي إلى تخفيض أسعار صادراته في الخارج مما يؤدي لرفع قدرتها التنافسية في الخارج بما يساعد على زيادتها. كما أن تخفيض وتعويم الجنيه يساعد على تنشيط تدفقات الاستثمارات الأجنبية والسياحة الخارجية الوافدة إلى مصر، لأن تخفيض العملة المحلية يؤدي إلى زيادة القدرات الشرائية للعملات الأجنبية التي بحوزة السياح والمستثمرين الأجانب. هذا بالإضافة الى ان هذا القرار هو استجابة لشرط ضروري من شروط صندوق النقد الدولي بهدف اقراض مصر 12 مليار دولار لمده 3 سنوات وهو ما يمهد لتطبيق برنامج الإصلاح. كما ان القرار سيوفر فرصة إيجابية للسوق الرسمية والبنوك لامتصاص حصة كبيرة من معروض النقد الأجنبي، ومنافسة السوق الموازية بقوة.
اما فيما يتعلق بالهدف من رفع سعر الفائدة، عن طريق تحريك المتوسط العام لأسعار الفائدة في السوق للأعلى، بالإضافة الى طرح عدد كبير من البنوك العامة والخاصة شهادات بعائد يصل الى 20%، فقد عمدت السلطة النقدية الى هذا الاجراء لثلاث أسباب: الأول الحفاظ على قيمة الجنيه المصري عن طريق زيادة الطلب عليه ومن ثم ارتفاع قيمته في الاجل المتوسط، حيث ان التوقع ان عند انخفاض سعر الصرف يبدا المضاربون في بيع ما بحوزتهم من الدولار بالاحتفاظ بالجنيه ذو العائد المرتفع. كما ان اتساع الفجوة بين أسعار الفائدة على الودائع الدولارية والودائع بالجنيه المصري، بهدف جذب المزيد من العملة الصعبة، عن طريق تحويل العملاء الدولار إلى الجنيه للحصول على أسعار الفائدة المرتفعة. السبب الثاني هو استيعاب السيولة الزائدة في السوق أي احتواء الضغط التضخمي المترتب على التعويم. وأخيرا: أتصور ان يكون الهدف الثالث هو إيجاد رصيد فى البنوك تلجأ إليه الدولة لاقتراضه لتواجه العجز المزمن والمتنامي بمعدل قياسي في الموازنة العامة.
 وبالطبع كل هذه المنطلقات صحيحيه بنسبه مائه في المائة لكن بشرط واحد يوجد في جميع كتب الاقتصاد بلا استثناء وهو " مع ثبات العوامل الأخرى". فالتصور النظري ينطلق من ان متغير واحد فقط هو الذي يحدث فيه التغيير على ان تستمر باقي المتغيرات ثابته. وبالطبع هذا الافتراض لا يتفق مع الواقع الأكثر تعقيدا والذي به جميع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تتغير في كل لحظة. لذا وجب التدقيق فيما حدث بالفعل استنادا الى تقييم واقعي على ضوء ما حدث في السوق المصرية الان بعد تلك القرارات او ما حدث من قبل خلال تجربه تعويم الجنيه 2003 او ما حدث في الدول التي تبنت تلك السياسات ومرت بنفس الظروف المعاصرة.   

التقييم الفعلي لقرار التعويم 

لا شكّ في أن القرار سيُحدث تغيرات كبيرة وهيكلية في الساحة الاقتصادية وسوق الصرف، وربما من المبكر التنبؤ بكونها تغيرات إيجابية أو سلبية، فمدى ما يمكن أن يُحدثه القرار من أثر يرتبط بالمقبل أكثر مما يرتبط بالراهن. اما عن وجهه نظري في القرار نفسه هو: "إن قرار البنك المركزي بتحرير سعر الصرف صحيح ولكن اختلف بشكل كامل معه في التوقيت واليات تنفيذه والقرارات المصاحبة له".  وفيما يلي نفصل بعض الشيء:
أولا: بالنسبة لقرار تحرير سعر الصرف، فقد تأخر من وجهه نظري أكثر من عام. فببساطة شديده، لكل قرار سلبيات وإيجابيات، فلا يوجد قرار وخاصة اذا كان اقتصاديا الا وله تكلفه. فقرار تعويم الجنيه في الظروف الحالية يعنى تخفيض قيمته الى مقدار مقارب الى السوق الموازية، كما انه أيضا سيستتبعه زيادة في الأسعار نظرا لارتفاع تكلفه الاستيراد وهذا الأثر الاقتصادي مؤكد. وعلى قدر تخفيض العملة ترتفع التكلفة ومن ثم الأسعار. فمثلا في بدأيه العام الحالي كان السعر الرسمي مقارب الى 7.5 والسعر الموازي بلغ بأقصى التقديرات 11 جنيه، فاذا حدث التعويم سيكون بسعر اعلى من الرسمي واقل من الموازي أي مثلا عند 9.5 وبالتالي مقدار التخفيض 20% فقط ومن ثم ارتفاع الأسعار عند مستوى مقارب. وهكذا كلما اتسعت الفجوة بين السعرين زاد مقدار الانخفاض في العملة وبالتالي ارتفعت فاتورة التعويم الاقتصادية والاجتماعية. و هو ما حدث بالفعل فالبنك المركزي اتخذ قرار التعويم بعد ان اتسعت الفجوة الى 100% . وبالتالي فان اثاره الحتمية أصبحت كارثيه لتضاعف التأثير السلبي للقرار، هذا بالإضافة الى فقدان جزء كبير من الاحتياطي النقدي في الدفاع عن شيء وهمى غير موجودا.
ان عدم اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح يفقده صحته او يضعفه او يضاعف في اثاره السلبية. لقد لعب تأخر هذا القرار دورا كبيرا في استمرار وجود سعرين للعملة مع اتساع الفارق بينهما وهو الوضع الذي تسبب في زيادة غير مبررة للأسعار، وشلل تام في الاستثمار، وعجز المصانع عن استيراد احتياجاتها من المواد الخام والمعدات وقطع الغيار، وتراجع الإنتاج، وبدء تسريح العمالة، واتجاه القطاع العائلي إلى المضاربة على الدولار. وامتنع العاملين بالخارج من تحويل أموالهم عبر النظام المصرفي الرسمي واتخاذ وسائل أخرى تضمن لهم تحويل أموالهم بالسعر الأعلى. هذا وضع خطير وما كان يمكن له أن يستمر. واستمرار الوضع السابق لم يكن في مصلحة أصحاب الأعمال والشركات، ولا مصلحة الطبقة الوسطى ولا العمال ولا الفلاحين ولا الفقراء، لأن حالة الفوضى في الأسعار كانت ضارة بالجميع. وبالتالي فإن قرار تحرير سعر الصرف عند مستواه الحقيقي لم يكن إجراء منشئا بل كاشفا، بمعنى أنه لم يتسبب بذاته في ارتفاع الأسعار، بل عبر عن الانخفاض الحقيقي الذي أصاب سعر عملتنا الوطنية وترجم بشكل رسمي واقعنا الاقتصادي.
خاتما في هذه النقطة، لا أتصور ان هناك من يؤمن بحرية السوق ويعترض على قرار تعويم الجنيه في المصارف الخاضعة للحكومة، حيث انه فعليا كان معوما في خارج هذه المصارف سواء أرادت الحكومة ذلك أو لم ترد، ولكن عدم الاعتراض على التعويم لا يعنى أننا كنا نتمنى الوصول الى هذه الحال، فالتدهور الشنيع لقيمة الجنيه في السوق الحرة لم يكن يتمناه أحد إلا المتربحون من الاتجار في العملة.

ثانيا: اعتقد ان الواقع الفعلي المعقد للاقتصاد المصري وما يمر به لا يتطابق مع التصور النظري التي افترضته الحكومة وهذا للأسباب التالية:
·        السبب الرئيسي في هذا الاختلاف بين واقع الامر وتصور الحكومة هو ان الانخفاض الشديد لمرونة الطلب على الصادرات والواردات يفصل بين زيادة نمو الصادرات او انخفاض الواردات وبين زيادة سعر صرف الجنيه. فالصادرات لن تزيد إلا إذا كان هناك إنتاج قادر على المنافسة العالمية نوعيا وسعريا وفائض عن حاجة الاستهلاك المحلي وقابل للتصدير، أو إنتاج موجه للتصدير في اقتصاد ينمو ويتطور وتوجد به استثمارات جديدة وفعالة تنتج تلك السلع، فالأصل هو وجود وتطوير القدرات الإنتاجية أولا.
·        كما ان التصور النظري من أن تخفيض سعر صرف الجنيه يؤدي إلى تخفيض أسعار صادراته في الخارج مما يؤدي لرفع قدرتها التنافسية في الخارج بما يساعد على زيادتها. لكن فعليا هذا يحدث بشرط ثبات أسعارها بالعملة المحلية وهو ما لم يحدث اذ ان أسعار السلع المحلية لم تثبت بل ارتفعت بقوة منذ انخفاض الجنيه مقابل الدولار وبخاصة بعد تعويمه، وبالتالي فإن ذلك الارتفاع قد أضاع أثر انخفاض سعر صرف الجنيه بقدر ليس بالقليل على تحسين القدرة التنافسية للصادرات.
·        وبالتالي فإن الميزات التي يقدمها تخفيض الجنيه مقابل الدولار بالنسبة للصادرات لن تكون فعالة ببساطة لقلة الإنتاج القابل للتصدير. والواردات لن تتقلص إذا كانت واردات ضرورية لا يمكن تخفيض الاستهلاك منها حتى بعد ارتفاع سعرها بالعملة المحلية. أما الواردات غير الضرورية فالفئات التي تستهلكها مستعدة لدفع ثمنها في ظل استحواذها على جانب كبير من الدخل والثروة في مصر ولا مجال لإجراء تخفيض جوهري فيها إلا بإجراءات سيادية أو اتفاق واضح مع الغرف التجارية يتم تطبيقه على المستوردين على قدم المساواة.
·        أما زيادة السياحة الأجنبية في البلد فترتبط بعوامل أخرى حاسمة مثل الأمان والحرية والصورة الخارجية للدولة والترويج السياحي الذي يعاني من ضعف شديد ومشكلات امنيه مع الاتحاد الأوروبي مثل ازمة الطالب "ريجيني". مشكلة السياحة المصرية في الوقت الراهن لا علاقة لها بمسألة الغلاء الذي يتطلب تخفيض سعر الصرف لأنها رخيصة للغاية بالمقارنة مع الغالبية الساحقة من المقاصد السياحية الأقل قيمة من مصر.
·        أما زيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية للدولة فيرتبط بوجود خريطة استثمارية جذابة ومغرية واستقرار أمني وسياسي، وسرعة وكفاءة ونزاهة إدارية في منح التراخيص والموافقات الضرورية لتأسيس الاستثمارات ومرونة فائقة في متابعة الاستثمارات الأجنبية ومتابعة إدارة الشراكات المحلية العامة والخاصة معها على أسس عادلة ومتوازنة.
·        كما انه في الاجل القصير على الأقل وفي ظل تذبذب سعر الصرف، جاذبية الاستثمار تكون منخفضة، لان المستثمر لا يعرف هامش الربح الذي سيحققه نتيجة عمله في السوق المصري فالجنيه مرتبط بالدولار الأمريكي الذي يمكن أن يرتفع اليوم لـ 18 جنيه وغدا ينخفض لما هو ادني من ذلك.
·        القول بأن التعويم سيقضى على السوق السوداء يرتبط بقدرة البنوك على توفير الدولارات للعملاء، فإذا لم يحدث ذلك فسيكون في ذلك عودة لنمو السوق السوداء وخاصة مع السماح بحرية الإيداع للعملات الأجنبية دون السؤال عن المصدر، وهو ما يتطلب ضرورة خفض الطلب على العملات الأجنبية من خلال خفض الواردات بقرار حكومي واضح.
·        كذلك فان التصور بان تحرير سعر الصرف سيوفر فرصة للبنوك لامتصاص حصة كبيرة من معروض النقد الأجنبي، حتى الان أي بعد حوالي 3 اسابيع من القرار، الأسعار في تذبذب كبير بل ارتفعت لتصل الى قرب 18 جنيه أي اعلى من السوق الموازي نفسه. معنى استمرار هذا الامر هو ان تحول سوق الصرف كلها رسمية أو موازية إلى سوق سوداء، بمعنى انتقال أثر المضاربة من شركات الصرافة والمقاهي إلى البنوك، مع رغبة كل بنك في امتصاص حصة من النقد الأجنبي، وتنمية محفظته الدولارية، خاصة مع ضمانها لهامش الربح.
·        أخيرا فان نتيجة تغير سعر الصرف سوف يرتفع حجم الدين الخارجي، التي بلغت ارصدة الدين الخارجي بنهاية سبتمبر 2016 قيمة 60,15  مليار دولار. و بالمقارنة بين ارصدة الدين الخارجي قبل وبعد قرار التعويم، سنجد انه قبل التعويم بلغ 535 مليار جنيه مصري، عندما كان  سعر الدولار  8,89 جنيها ، بينما 929 مليار جنية مصري، بعد قرار التعويم بسعر  الدولار 15,45 جنيها ، بزيادة  بحوالي  400 مليار جنيه .

ختاما: أتصور ان هذه هي الردود الواقعية للافتراضات الحكومية النظرية، قد يختلف معي البعض في هذا التصور ولكنى اعتقد المؤشرات الاقتصادية المتعددة وتفسيرها بشكل تكاملي يؤكد وجهه نظري. وعلى أي حال فان اثبات صحة او خطا هذه الافتراضات سيكون في الاجل المتوسط والطويل. اما في الاجل القصير فالأثار تقريبا معروفه ومحسومه اقتصادياً اما بفعل خبره مصر السابقة عام 2003 او من تجارب الدول الأخرى. وهذا ما سوف نستعرضه في المقال التالي.



و للحديث بقيه،،،